موشيه آرنس.. مفجر فكرة «الدولة الواحدة»


بقلم: الوف بن

في الخريف قبل الأخير التقى موشيه آرنس رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، حيث بدأ مسيرته السياسية كأحد من تعهدهم سياسياً.

أبلغ آرنس ضيفه بانفعال عن سائق السيارة العمومية الذي أحضره إلى اللقاء، والذي قال له إن «لدينا أحلى دولة».

نتنياهو ضمّن أقوال السائق في خطاب «المخللات» الذي ألقاه بعد بضعة أيام في افتتاح دورة الكنيست، وطرحه كمثال على تأييد معظم الجمهور لزعامته.

خرج آرنس متحمسا أقلّ من اللقاء مع من كان نائبه في السفارة في واشنطن وفي وزارة الخارجية. لقد تولد لديه الانطباع بأن نتنياهو مكث وقتا أطول من اللازم في منصبه، وهذا الأمر ظاهر عليه.

انتقد آرنس في السنة الأخيرة سلوك نتنياهو في قضية التحقيق معه، وقال إن تلقي الهدايا لم يكن أمرا مناسباً لشخصية عامة، ونصحه بعدم مهاجمة رجال القانون «رغم الإغراء الموجود في ذلك».

نتنياهو، الذي وصف وزير الدفاع ووزير الخارجية السابق بـ «معلمي وصديقي المحبب»، لم يستجب لنصائحه في شؤون التحقيقات والتواضع، ولكن رغم تحفظه على سلوك رئيس الحكومة وتقديره بأن فترة ولايته هي أطول من اللزوم قدّر آرنس جداً مؤهلات نتنياهو كدبلوماسي وكخطيب، وحذّر من إبعاده بسبب التحقيقات معه.

في مقال بعنوان «نتنياهو في بلاد الأقزام» نشر في آذار الماضي كتب بأنه إذا اضطر رئيس الحكومة للاستقالة من منصبه فانه «سيكون من الصعب إيجاد بديل بمستواه».

الازدواجية في نظرته لنتنياهو هي أمر مميز لآرنس، الذي أحب أكثر من أي شيء آخر، أن يكون أصيلاً ومفاجئاً، وكره أن يكون متوقعاً ومصنفاً على الرفوف.

في الجيش قدروه كوزير دفاع مدني، نجح في تحدي الجنرالات وفرض سلطته عليهم.

كان يستمتع بالحديث عن الشرح الأول الذي حصل عليه من قسم الاستخبارات حول سورية عندما دخل الوزارة في العام 1983.

عرض الضباط عليه كعادتهم معطيات مخيفة بشأن قوة الجيش الذي يقف خلف «الستار الحديدي» في هضبة الجولان.

قاطعهم آرنس: «هل تعرفون ما هي ميزانية الدفاع في سورية؟» واعترف محدثوه الخجلون بأن ليس لديهم أي فكرة. لقد أرسلهم لتحضير واجباتهم البيتية، وعلموا كم هي سورية ضعيفة أكثر من إسرائيل، حتى في الفترة التي كان فيها الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من التضخم الكبير جداً.

لم يجلس آرنس في الكمائن، ولم يشارك في عمليات مثل خصومه القدامى، أرئيل شارون واسحق رابين.

وهو لم يأكل طعام الجنرالات في القيادة العامة، ولم يعرف كيف يوجه الأسئلة الدقيقة جداً للقادة في الميدان، لكنه كمدير مدني لجهاز الأمن، فرض على الجيش التغييرات التنظيمية الأكثر عمقاً في تاريخه: إقامة قيادة الجيوش الميدانية. اليوم هي سلاح البر، نضال الدفاع ضد الصواريخ، قيادة الجبهة الداخلية، ولواء الوسائل الخاصة.

الدخول إلى التفاصيل احتفظ به لنقاشات تقنية حول الطائرات والصواريخ التي امتاز فيها.

لقد قدر بشكل خاص الجنرال احتياط إسرائيل طال، مخترع دبابة المركفاه، الذي دمج بين المعرفة العسكرية وحبه للتكنولوجيا والشك بسلاح الجو.

بعد حرب الخليج، العام 1991، والتي فيها هوجمت إسرائيل بعشرات صواريخ السكاد، فكر رجال طال وآرنس في إنشاء سلاح صواريخ هجومية من أجل أن يشكل رداً على التهديد البالستي الذي جاء في حينه من العراق، والآن من «حزب الله» و»حماس».

ولكن آرنس لم ينجح في التغلب على معارضة الجيش الذي فضل الاعتماد على سلاح الجو. أيضا محاولته الأخيرة لإحياء قيادة الصواريخ التي بادر إليها وزير الدفاع السابق، أفيغدور ليبرمان، حكم عليها بالبقاء.

بعد اعتزاله السياسة النشطة انضم آرنس لصحيفة «هآرتس» كصاحب عمود أسبوعي في صفحة الرأي.

كتب مقالاته في أيام السبت، دائما باللغة الانجليزية، وظهر في أيام الثلاثاء. كانت له مواضيع معينة: ضرورة دمج المواطنين العرب في إسرائيل، خيبة أمل من إلغاء مشروع طائرة «لافي» الإسرائيلية، الكشف عن دور المقاتلين في تمرد غيتو وارسو، التحذير من خطر صواريخ «حزب الله».

في كل هذه المواضيع أسمع صوتا مميزا ومتصلبا، لم يناسب صفحات الرسائل لرئيس الحكومة و»الليكود». بالتأكيد ليس بشأن المواطنين العرب الذين أراد رؤيتهم كإسرائيليين متساوي الحقوق، لذلك عارض قانون القومية.

برر الموقف الليبرالي لموشيه آرنس في نظره أيضا موقفه السياسي، الذي رفض بشكل قاطع تقسيم البلاد بين إسرائيل ودولة فلسطينية، ارث آرنس السياسي، وهو من طرح فكرة الدولة الواحدة بين البحر والنهر.

في مقاله الاكثر اهمية «مواطنة إسرائيلية للفلسطينيين» في حزيران 2010 دعا في «هآرتس» إلى فرض سيادة اسرائيل على «يهودا» و»السامرة» ومنح المواطنة الإسرائيلية للسكان الفلسطينيين.

«من يرون في الاحتلال وضعا قاسيا وغير محتمل سيشعرون بالراحة بالتأكيد، حيث إن إسرائيل ستتحرر من عبء الاحتلال. سيحصل الفلسطينيون على حق التصويت في الانتخابات في اسرائيل، ولن تكف اسرائيل عن كونها ديمقراطية ولن تكف عن الوجود رغم أن بنيتها الديمقراطية ستتغير بشكل كبير»، كتب آرنس.

وقد طرح سؤالاً حول كيف ستواجه اسرائيل تحدي دمج «مليون ونصف المليون مسلم» (آرنس تبنى بلا شك التقدير الذي يقلل عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية، الذي يطرحه ديمغرافيو اليمين).

«خلافا للتوقعات المتشائمة، فإن فرض السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة لن يؤدي إلى نهاية دولة إسرائيل، ولا إلى تصفية الديمقراطية فيها»، كتب. «هذا الأمر سيضع تحديا كبيرا أمام المجتمع الإسرائيلي، لذلك هو جدير بالفحص».

النقاش العام حول اقتراح آرنس لم يجر بعد؛ النظام السياسي أهمل في السنوات الأخيرة النزاع مع الفلسطينيين، وتبنى بمعظمه مقاربة الوضع الراهن لنتنياهو.

لكن بشكل هادئ جدا انضمّ إلى معسكر الدولة الواحدة مؤيدون هادئون كثيرا، وهم يقترحون نقل النقاش السياسي من الحقل «السياسي» إلى الحقل «الاجتماعي».

وبدل الحديث عن البؤر الاستيطانية والمستوطنين، وعن الحرم وقضية اللاجئين، هم يضعون في مركز النقاش الازدحامات المرورية، الصفوف في الأقسام الداخلية وجهاز التعليم الفاشل.

لا توجد لهم مصلحة في وضع حدود مع الفلسطينيين، هذه الفكرة مملة بالنسبة لهم، ويبدو أنه ليس لها فرصة ولا قيمة.

الأغلبية من بينهم ما زالوا لا يدركون ذلك، لكن كلما تعزز موقفهم فإنهم سيتبنون الوصية السياسية للبيتاري الأخير: المساواة قبل السلام.

عن «هآرتس»



مصدر الخبر

Comments

So empty here ... leave a comment!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Sidebar